الشيخ حسين المظاهري (مترجم: خالد توفيق)
57
اليوم الآخر
وبهذا يتّضح انّ الإنسان يعتقد فطريّا ب « المبدأ » و « المعاد » بيد انّه من أجل أن يمكث قليلا في الحياة الدنيا ، ويعيش لحياته وملذّاته الخاصّة ، نراه يلوّث فطرته حتى تعمى بصيرته القلبية ، فينكر « المعاد » لكي يريح نفسه من تأنيب الضمير وعذاب الوجدان ، ويتسعذب الدنيا وشهواتها ! هدفية الخلق يتمثّل الدليل الثاني لإثبات المعاد ، بوجود الغاية من خلق الوجود ( وبضمنه الإنسان ) ، ولازم ذلك أن يكون وجود العالم عبثا من دون المعاد ؛ تماما كما نرى في عالم الأطفال حينما يبادر الطفل لصرف ساعات طويلة من وقته ، يبذل فيها الجهود الكبيرة لبناء بيت صغير من الخشب أو الطين ، ثم يقوم في نهاية المطاف ، وبعد أن يتمّ تشييد البيت واتمامه ؛ يقوم بتخريبه وتهديمه برفسة من رجله ، لتضيع بهذه الرفسة جهود يومه عبثا ! وربّما كانت المقارنة بين المشهدين غير دقيقة ، ذلك ان الطفل الذي يرفس برجله البيت الذي صرف في بنائه ساعات طويلة من الجهد والاعتناء ، انّما يفعل ذلك بهدف اللعب ، وبذلك نجد انّ عمل الطفل وان كان عبثيا بظاهره إلّا انّه يستهدف تحقيق غاية ، وهي اللعب . امّا إذا افترضنا عدم وجود « المعاد » فانّ الصورة ستبدو أسوأ ، إذ سيظهر عالم الوجود وكأنّه مخلوق عبثا وباطلا من دون أن يكون ثمّة هدف لوجوده ، أو غاية يسعى لتحقيقها . لذلك تقضي الغاية المفترضة لوجود هذا العالم بضرورة المعاد واليوم الآخر لكي تنتفي العبثية ولا يكون الهدف من الخلق عبثا وباطلا . ثم انّ عالم الوجود برمّته يحكي حقيقة أنّ وراء هذا العالم مدبّرا حكيما ، وهذه الحقيقة شاخصة للجميع ، واضحة للعيان . وإلّا فكيف نصدّق انّ الإنسان المخلوق من نطفة ، المخلوقة بدورها من تراب ، يعيش حياته بكل ما يرافقها من مشقّة